محمد بن جرير الطبري

102

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

زيد بن ثابت قال : حدثني سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه ! فاتبعنا يا محمد تهتد ! وقالت النصارى مثل ذلك . فأنزل الله عز وجل فيهم : " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها ، وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك : " كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " - : بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه ( 2 ) وأمر به - فإن دينه كان الحنيفية المسلمة - وندع سائر الملل التي نختلف فيها ، فينكرها بعضنا ، ويقر بها بعضنا . فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا على الاجتماع عليه ، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم . * * * وفي نصب قوله : " بل ملة إبراهيم " أوجه ثلاثة . أحدها : أن يوجه معنى قوله : " وقالوا كونوا هودا أو نصارى " ، إلى معنى : وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية . لأنهم إذ قالوا : " كونوا هودا أو نصارى " ، إلى اليهودية والنصرانية دعوهم ، ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة . فيكون معنى الكلام حينئذ : قل يا محمد ، لا نتبع اليهودية والنصرانية ، ولا نتخذها ملة ، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا ، ثم يحذف " نتبع " الثانية ، ويعطف ب " الملة " على إعراب اليهودية والنصرانية . والآخر : أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى " نتبع " والثالث : أن يكون أريد : بل نكون أصحاب ملة إبراهيم ، أو أهل ملة

--> ( 1 ) الأثر : 2090 - سيرة ابن هشام 2 : 198 . ( 2 ) في المطبوعة : " تجمع جميعنا " ، وهي خطأ ، والصواب " يجمع " ، من الإجماع .